يمرّ العالم بمرحلة غير عادية؛ فقبل خمس سنوات فقط كانت نماذج الذكاء الاصطناعي تجد صعوبة في تكوين جمل متماسكة. أما اليوم فهي تتجاوز مستوى الأداء البشري في طيف واسع من المهام، ويكاد إطلاق نموذج جديد يدفع حدود ما هو ممكن كل أسبوع، بل إن وتيرة التقدّم في تسارع مستمر.
ولذلك انعكاسات هائلة على العالم الذي نعيش فيه:
كيف ستبدو وظائفنا في المستقبل؟ بل هل ستبقى لنا وظائف من الأساس؟
كيف سيسرّع الذكاء الاصطناعي عجلة العلم، سواءٌ في الخير أو الشرّ؟
كيف ستُدار المجتمعات؟
إن كانت هذه الأسئلة تشغل بالك وكنت تقول لنفسك: "من الواضح أن هذه هي قضية عصرنا، لكنني لا أعرف من أين أبدأ أو ماذا أفعل حيالها"، فهذه الدورة هي نقطة الانطلاق المناسبة لك.
في ساعتين فقط، سنتناول المسار الذي يتجه إليه الذكاء الاصطناعي، وما يعنيه ذلك للعالم، إضافةً إلى المسارات المتاحة لك للتأثير والمساهمة في ضمان توجيه هذا التطور نحو الأفضل.
لنبدأ أولاً بتأسيس هذا النقاش على ما تستطيع نماذج الذكاء الاصطناعي تحقيقه اليوم.
الصور
بُني أول نظام ذكاء اصطناعي لتحويل النص إلى صورة عام 2015، وكان ينتج صورًا صغيرة لا تتجاوز 32×32 بكسل. أما اليوم، فلا يمكن تمييز الصور المولَّدة بالذكاء الاصطناعي عن الصور الفوتوغرافية الحقيقية، كما يمكنها أن تحاكي طيفًا من الأساليب الفنية المختلفة:
مجموعة من الصور المولَّدة بالذكاء الاصطناعي بأساليب فنية متنوّعة
قبل أربع سنوات، لم تكن مقاطع الفيديو المولَّدة بالذكاء الاصطناعي موجودة من الأساس. وقبل سنتين فقط، كانت جودتها رديئة. أما الآن، فقد بات من الصعب تمييز أحدث المقاطع عن مقاطع الفيديو الحقيقية:
الأهمّ من القدرات الحالية هو السرعة الفائقة التي تتغير بها الأمور، فمن السهل أن ننسى إلى أيّ مدى كانت نماذج الذكاء الاصطناعي محدودة الإمكانيات قبل خمس سنوات فقط.
إليك مدى تحسّن نماذج توليد الصور منذ عام 2022 عند استخدام الأمر البرمجي: "رائد فضاء يمتطي حصانًا على المرّيخ، بأسلوب واقعي يشبه الصورة الفوتوغرافية"
سلسلة صور لرائد فضاء يمتطي حصاناً على المرّيخ، ولّدتها نماذج من سنوات متتالية منذ 2022، تُظهر تحسّن الواقعية من سنة إلى أخرى
توليد الصور ليس سوى مجالٍ واحد من مجالات كثيرة شهدت هذا التقدّم الفائق؛ فخلال فترة زمنية مماثلة شهدنا قفزات هائلة في قدرة نماذج الذكاء الاصطناعي على الإجابة عن أسئلة علمية بمستوى الدكتوراه، وحلّ مسائل رياضية بمستوى المسابقات العالمية، وإنجاز مهام هندسة البرمجيات باستقلالية تامة.
ولم يتبقَّ سوى القليل من الاختبارات التي لم يبلغ فيها الذكاء الاصطناعي المستوى البشري بعد.
رسم بياني من مؤشّر الذكاء الاصطناعي 2026: أداء الذكاء الاصطناعي في عدد من الاختبارات المرجعية نسبةً إلى المستوى البشري بين 2012 و2025؛ تبلغ معظم المنحنيات خطّ الأداء البشري أو تتجاوزه، وآخرها اختبارات استخدام الحاسوب وهندسة البرمجيات
قانون مور (Moore's law) هو ملاحظةٌ مفادها أن عدد الترانزستورات في رقائق الحاسوب يتضاعف تقريبًا كل سنتين، وهذا التقدّم الأُسّي هو ما غذّى ثورة الحوسبة على مدى السنوات الخمسين الماضية.
وتشير ملاحظة مماثلة بشأن قدرات الذكاء الاصطناعي إلى أن طول المهام البرمجية التي يستطيع الذكاء الاصطناعي إنجازها ظلّ يتضاعف كل 7 أشهر منذ عام 2019 (قبل أن تتسارع الوتيرة ليتضاعف كل 4 أشهر منذ عام 2023).
وإذا مددنا اتجاه التضاعف كل 4 أشهر نحو المستقبل، فسنتوقّع ظهور نماذج ذكاء اصطناعي قادرة على إنجاز:
مهام برمجية تستغرق من الإنسان أسبوعًا بحلول سبتمبر 2026 (على افتراض أسبوع عمل مكون من 40 ساعة)
مهام برمجية تستغرق من الإنسان شهرًا بحلول مايو 2027
مهام برمجية تستغرق من الإنسان سنة كاملة بحلول أغسطس 2028
رسم بياني من METR: مدة المهام البرمجية التي تنجزها نماذج لغوية مختلفة بنسبة نجاح 50% حسب تاريخ إصدارها، من GPT-2 في 2019 إلى Claude Opus 4.6 في 2026 بنحو 12 ساعة، في منحنى أُسّي
وهذا مؤشّر على اتجاه أوسع؛ فمع تزايد قدرة أنظمة الذكاء الاصطناعي على إنجاز مهام أطول وأكثر تعقيدًا، انتقلنا من مفهوم الذكاء الاصطناعي بوصفه "أداة" تطرح عليها سؤالًا فتتلقّى ردًا بسيطًا، إلى "وكلاء" تمنحهم هدفًا فينطلقون لتحقيقه نيابةً عنك.
الأمر أعقد من ذلك قليلاً!
من الناحية التقنية، يُظهر الرسم البياني "الأفق الزمني لإنجاز المهام بنسبة 50%"، أي مدة المهمة (مقاسةً بالوقت الذي يستغرقه خبير بشري لإنجازها) التي يُتوقَّع أن ينجح فيها وكيل الذكاء الاصطناعي في نصف المحاولات.
على سبيل المثال، ينجح نموذجClaude Opus 4.6 في نحو 50% من المحاولات في مهام برمجية تستغرق من مهندسي البرمجيات البشريين 12 ساعة (يمكنك قراءة المزيد عن طريقة هذا القياس هنا).
ومن البديهي أن النجاح في نصف المحاولات أقلّ بكثير ممّا ننتظره من مهندس برمجيات بشري! لذلك تعتمد METR أيضًا أفقًا زمنيًا لإنجاز المهام بنسبة نجاح 80%، وكانت الحدود القصوى فيه حتى فبراير 2026 تقتصر على مهام تستغرق ساعة ونصف، والأهمّ من ذلك أن هذا المقياس يُظهر الاتجاه الأُسّي نفسه الذي يُظهره مقياس الخمسين بالمئة.
حتى منتصف عام 2025، كانت أنظمة الذكاء الاصطناعي في معظمها مجرد "أدواتٍ" لا تستجيب إلا عند توجيه أمرٍ مباشر إليها. أما الآن فنشهد ثورة ظهور "الوكلاء"، وإليك الفرق بوضوح:
الأداة: آلة حاسبة تحلّ المسائل التي تُدخلها فيها يدويًا.
الوكيل: مساعد بحثي يتقصّى الموضوعات ويُعد تقارير كاملة.
يستطيع الوكلاء اليوم:
البحث في الإنترنت
اتخاذ القرارات
التصرّف باستقلالية
إنجاز المهام دون الحاجة إلى تعليمات تفصيلية خطوةً بخطوة
ومع تطور قدراتهم، باتوا يُمنَحون صلاحيات أوسع للتصفح المستقل، والتحكّم في الحواسيب، بل والتفاعل مع العالم المادي عبر أجسام روبوتية.
باتت الروبوتات المدعومة بالذكاء الاصطناعي قادرةً اليوم على التعامل مع الأشياء وأداء المهام في العالم الواقعي، وهي حاليًا أبطأ من البشر وأكثر عرضةً للخطأ، لكنها تتطور بسرعة.
ما القدرات التي يحتاج إليها نظام ذكاء اصطناعي كي يتفوّق على البشر في معظم الوظائف؟ وما مدى قربنا من بناء أنظمة بهذه الكفاءة؟
سنتناول في هذه الوحدة مفهوم الذكاء الاصطناعي العام (Artificial General Intelligence – AGI)
تعريف الذكاء الاصطناعي العام
تتعدد التعريفات المصطلحية للذكاء الاصطناعي العام، لكن معظمها يتفق على أنه "نظامٌ قادر على التفكير والتصرّف بمستوى يضاهي القدرات البشرية أو يفوقها في طيف واسع من المهام المعقدة".
"الذكاء الاصطناعي العام هو نظام يتمتع باستقلالية عالية ويتفوّق على البشر في معظم الأعمال ذات القيمة الاقتصادية".
الذكاء الاصطناعي الحالي يقترب من الذكاء الاصطناعي العام
استعرضنا في الوحدة السابقة كيف تستطيع أنظمة الذكاء الاصطناعي الحالية:
الإجابة عن الأسئلة المعقدة
التحكّم التام في الحواسيب
إنجاز مهام برمجية متزايدة التعقيد
وبوسع هذه القدرات بالفعل أتمتة أجزاء واسعة من بعض الوظائف التي تُؤدّى عن بُعد، حتى أصبحت الفوارق بين أنظمة الذكاء الاصطناعي الحالية والذكاء الاصطناعي العام تتضاءل شيئًا فشيئًا، بل يرى بعض الخبراء أننا قد دخلنا هذه المرحلة بالفعل.
عواقب النقص: الذكاء الاصطناعي لا يستبدل الوظيفة بالكامل بعد
لاتزال أنظمة الذكاء الاصطناعي الرائدة (frontier AI) تواجه صعوبات في بعض الجوانب المهمة للأعمال ذات القيمة الاقتصادية.
ويُطلق الخبراء على هذا التباين مصطلح "التفاوت" (jaggedness)، وهو ما يشير إلى أن نماذج الذكاء الاصطناعي قد تبرع وتتفوق في مهام يجدها البشر معقدة، بينما تُخفق على نحوٍ مفاجئ في مهام بسيطة جدًا بالنسبة للإنسان.
فمثلًا، عجزت نماذج الذكاء الاصطناعي عن عدّ حرف R في كلمة (strawberry)، أو عن إدراك أن الرقم 9.9 أكبر من 9.11، وإن كان تتبع مثل هذه الهفوات البسيطة يقل تدريجيًا مع تحسّن إمكانيات النماذج الحديثة.
تتركز أبرز تحديات نماذج الذكاء الاصطناعي الحالية في:
الموثوقية والأمانة في المهام الأطول والأكثر انفتاحًا (على الرغم من تحسنها المستمر كما أظهر الرسم البياني في الدرس 1.2)
التفاعل السلس مع العالم المادي (وإن كان هذا البعد ليس ضروريًا لأتمتة المهام والوظائف المكتبيّة عن بُعد)
2.2
مقياس Vending-Bench: قياس التقدّم نحو الذكاء الاصطناعي العام
إذا كان رسم METR البياني يهدف إلى قياس طول المهام التي تستطيع نماذج الذكاء الاصطناعي إنجازها، فإن مقياس Vending-Bench يسعى إلى القياس المباشر لقدرة هذه النماذج على أداء أعمال ذات قيمة اقتصادية حقيقية باستقلالية تامة.
مقياس Vending-Bench هو محاكاةٌ (simulation) تُدير فيها نماذجُ الذكاء الاصطناعي مشروعًا تجاريًا لآلات البيع الذاتي على مدار سنة كاملة، ويُقيَّم كل نموذج بناءً على صافي رصيد حسابه البنكي في نهاية السنة.
وينطلق النموذج في المحاكاة مجهزًا بما يلي:
ميزانية أولية قدرها 500 دولار
صندوق بريد إلكتروني
صلاحية التصفح والبحث في الإنترنت
حساب بنكي
أدوات وأنشطة تجارية مثل جداول البيانات (spreadsheets) ومنصات الحملات الإعلانية
قبل أكثر من عام، كان عددٌ قليل من النماذج الرائدة قادرًا على تحقيق أرباح بسيطة، بينما كانت أغلب النماذج تكبد خسائر مالية. أما اليوم، أصبحت كل النماذج الرائدة تحقق أرباحًا طائلة، بل استطاع أفضلها حاليًا Claude Opus 4.7 (من شركة Anthropic) تحويل مبلغ 500 دولار إلى أكثر من 10,000 دولار.
رسم بياني من Vending-Bench: رصيد المال خلال 365 يوماً من المحاكاة؛ يصل Claude Opus 4.7 إلى نحو 10,000 دولار متقدّماً على GPT-5.5 وKimi K2.6 وGemini 3 Pro وGrok 4.20
التحسين الذاتي التكراري (recursive self-improvement): ذكاء اصطناعي قادر على تحسين أدائه وتطويره
نماذج أكبر وبيانات أكثر
حتى وقت قريب، ساد الاعتقاد بين أغلب الخبراء بأن الوصول إلى الذكاء الاصطناعي العام سيتطلّب اختراقات علمية جذرية، فالخوارزمية الأساسية التي تُدرَّب عليها النماذج اللغوية الكبيرة (large language models) تقتصر في جوهرها على التنبّؤ بالكلمة التالية في الجملة (أشبه بميزة "الإكمال التلقائي" لكن بأسلوبٍ أكثر تعقيدًا)؛ وبناءً عليه كان يُفترض أن الذكاء الاصطناعي سيحتاج إلى أنماط تفكير جديدة جذريًا كي يضاهي الذكاء البشري.
غير أن ما حدث عمليًا كان أبسط من ذلك، فقد اكتشفت مختبرات الذكاء الاصطناعي أن مجرد تكبير هذه النماذج المتنبّئة بالكلمة التالية وتزويدها بمزيد من البيانات أدى إلى قفزاتٍ نوعية وهائلة في طيف واسع من المجالات.
مثال تطبيقي: كيف تعلّم ذكاء اصطناعي أكبر حجمًا حلّ المسائل الرياضية؟
في عام 2021، سجل نموذجGPT-3 نسبة 5% فقط في اختبار MATH المرجعي (benchmark)، وهو اختبار يتضمن مسائل رياضية بمستوى المسابقات العالمية، مما دفع الباحثين الذين صمموا الاختيار إلى الاستنتاج حينها بأن:
"مجرّد زيادة الميزانيات وعدد مُعامِلات النماذج لن يكون حلًا عمليًا لتحقيق استدلال رياضي قوي إذا استمرّت اتجاهات التوسّع الحالية […]. ولتحقيق تقدم ملموس، سنحتاج على الأرجح إلى ابتكار خوارزميات جديدة تمامًا".
لكن بحلول عام 2023، حققGPT-4 نسبة 84% في الاختبار نفسه لمجرّد تدريب نموذج أكبر على بيانات أكثر. واليوم بات اختبار MATH بالنسبة لمجتمع الذكاء الاصطناعي مرحلةً مجتازة ومحسومة، ليتحول التركيز كاملًا نحو تصميم اختبارات مرجعية أصعب.
التمرّن المستمر وتلقّي التقييم
الحجم وحده لا يجعل النموذج بارعًا في مهام محدّدة بعينها؛ إذ يحتاج النموذج إلى التمرّن المستمر.
بعد مرحلة التدريب الأساسي، تُخضع المختبرات النماذج لتدريبات مكثفة على مهام محدّدة، مع تقديم تقييم فوري لمخرجاتها تبيّن فيه مدى جودة الأداء:
حين ينجح النموذج، تُعزَّز الخطوات التي قادته إلى النجاح
وحين يُخفق، يتضاءل احتمال تكرار تلك الخطوات.
وعند تكرار هذه العملية مليارات المرّات، يصبحِ النموذج بارعًا وموثوقًا في ذلك النوع من المهام.
وتنجح هذه المقاربة بأعلى كفاءة في المجالات التي يمكن التحقّق من إجاباتها آليًا: كالمسائل الرياضية ذات الأجوبة المعروفة، أو الشيفرات البرمجية التي يمكن تشغيلها لاختبار صحتها، أو غيرها من المهام ذات معايير الإنجاز الواضحة.
وتُسمّى هذه المرحلة "التعلّم المعزَّز"، وهي السبب المباشر في قدرة نماذج الاستدلال (reasoning models) الحالية على التفكير مليًا في المسائل المعقدة قبل الإجابة، وهي أيضًا ما تمكّن وكلاء مثل Claude Code من استلام مهمة برمجية والعمل عليها لساعات متواصلة.
ما الأشكال التي يتّخذها هذا التمرّن والتقييم؟
تعتمد المختبرات عدة تقنيات متقدمة، ومنها:
الاستدلال بسلسلة الأفكار (chain of thought): تُمنح النماذج مساحة زمنية "للتفكير" عبر كتابة الخطوات الوسيطة قبل الإجابة. ومع التقييم المباشر لمسارات الاستدلال التي تقود للأجوبة الصحيحة، يتعلّم النموذج بمرور الوقت استراتيجيات تفكير وتحليل أفضل.
اللعب الذاتي (self-play): بيئات محاكاة تتعلم فيها الأنظمة عبر المحاولة والخطأ؛ كما حدث مع AlphaGo Zero الذي تفوق على البشر في لعبة "غو" بعد أن لعب ملايين المباريات ضدّ نفسه. وتُوسَّع الفكرة نفسها اليوم لتشمل البرمجة والاستدلال، إذ تولّد النماذج مسائل تدريبية لنفسها ثم تحاول حلّها.
الذكاء الاصطناعي الدستوري (Constitutional AI): المقاربة التي ابتكرتها شركة Anthropic؛ فبدلًا من الاستعانة بالبشر لترتيب وتقييم مُخرَجات النموذج، يتولى نموذجُ ذكاء اصطناعي آخر تقييم هذه المُخرَجات وفقًا لمبادئ مكتوبة (مثل: أن تبقى الإجابة مفيدة وصادقة وآمنة)، وتعد هذه الطريقة أقل تكلفة وأسهل في التوسع مقارنةً بالاعتماد على التقييم البشري وحده.
ذكاء اصطناعي قادر على تحسين أدائه وتطويره
أحدث التطوّرات تتمثل في أن الذكاء الاصطناعي نفسه بدأ بتولي مهام التطوير؛ إذ تفيد المختبرات الرائدة بأن النماذج باتت تكتب أجزاء جوهرية من شيفرات التدريب البرمجية، وتصمّم التجارب، وتساعد في تفسير النتائج.
وهكذا، يسهم كل جيل من نماذج الذكاء الاصطناعي بفضل قدراته المتزايدة في بناء وتطوير الجيل الذي يليه بسرعة تفوق سرعة الجيل السابق.
وقد نبلغ مرحلةً تستطيع فيها نماذج الذكاء الاصطناعي تدريب الجيل التالي بالكامل دون أيّ تدخّل بشري على الإطلاق؛ وهو الهدف الذي تسعى إليه الكثير من الشركات في هذا المجال. وإذا تحققت هذه القفزة، فقد تفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول مدى تفوق هذه النماذج على الذكاء البشري؟ وماذا سيحمل ذلك من تبعات على مستقبل البشرية؟
إن تدريب نماذج ذكاء اصطناعي أكبر وتحسينها بالتعلّم المعزَّز ثم استخدامها لتدريب أجيالٍ أكثر كفاءة يتطلّب موارد حاسوبية (compute) واستثمارات مالية غير مسبوقة.
يقترب إجمالي الإنفاق على مراكز البيانات (data centres) حاليًا من تريليون دولار، وهو مبلغ يتجاوز تكلفة مشروع مانهاتن وبرنامج أبولو الفضائي ومحطة الفضاء الدولية مجتمعةً (حتى بعد تعديل قيمتها بحسب معدلات التضخم).
رسم بياني يقارن الإنفاق الرأسمالي على مراكز البيانات (نحو 930 مليار دولار في 6 سنوات) بمشاريع كبرى مثل مشروع مانهاتن وبرنامج أبولو ومحطة الفضاء الدولية وشبكة الطرق السريعة الأمريكية، بأسعار ثابتة
والسبب الوحيد الذي يجعل هذا المستوى الضخم من الاستثمار منطقيًا هو يقين شركات الذكاء الاصطناعي والمستثمرين بأن هذه النماذج ستتمكّن من أن تحلّ محلّ أجزاء كبيرة من العمليات الاقتصادية التي ينتجها البشر اليوم.
ولا يقتصر هذا الرهان على القطاع الخاص؛ إذ بدأت الحكومات تدرك الأهمية الاستراتيجية للذكاء الاصطناعي العام، فمنذ نوفمبر 2024 قدّمت لجنة المراجعة الاقتصادية والأمنية الأمريكية الصينية التوصية التالية إلى الكونغرس:
"نوصي بأن يقر الكونغرس ويموّل برنامجًا على غرار مشروع مانهاتن، يكون مخصّصًا للتسابق نحو امتلاك قدرات الذكاء الاصطناعي العام (AGI) وتأمينها.
توقعات قادة الذكاء الاصطناعي: بناء الذكاء الاصطناعي العام خلال السنوات الخمس المقبلة
"نحن واثقون الآن من أننا نعرف كيف نبني الذكاء الاصطناعي العام وفق مفهومه التقليدي"
– سام ألتمان (Sam Altman)، الرئيس التنفيذي لشركة OpenAI (يناير 2025)
"نتوقّع ظهور أنظمة ذكاء اصطناعي قوية في أواخر 2026 أو مطلع 2027"
– داريو أمودي (Dario Amodei)، الرئيس التنفيذي لشركة Anthropic (مارس 2025)
توافق الخبراء والمشككين
قد يرى البعض أن لرؤساء شركات الذكاء الاصطناعي دوافع مالية لتضخيم قدرات الذكاء الاصطناعي سعيًا لجمع التمويل، غير أن هذه الرؤية تشاطرها قامات أكاديمية بارزة ومستقلة:
"إذا استمرّت هذه الاتجاهات ووفق الأهداف المعلَنة لشركات الذكاء الاصطناعي الرائدة، فمن المرجّح أن نصل إلى قدرات بمستوى الذكاء البشري في طيف واسع من المهارات المعرفية (وهو ما يُعرف بالذكاء الاصطناعي العام AGI)… ويقدّر كثير من كبار الباحثين الآن أن المدة الفاصلة عن هذا الإنجاز قد لا تتجاوز بضع سنوات أو عقد من الزمن".
بل إن كبار المشكّكين في سرعة تطور الذكاء الاصطناعي العام باتوا يتحدّثون عن أفق زمني يُقاس بالسنوات لا بالعقود:
"يحاول بعض الناس إقناعنا بأننا على وشك الوصول إلى الذكاء الاصطناعي العام، والحقيقة أننا لا نزال نبتعد عنه كثيرًا. ولكن حين أقول نبتعد كثيرًا، فلا أعني قرونًا ولا عقودًا بل مجرد بضع سنوات".
– يان لوكون (Yann LeCun)، كبير علماء الذكاء الاصطناعي السابق في شركة Meta AI (ديسمبر 2024)
على مرّ التاريخ، أعادت حفنة من التقنيات تشكيل ملامح الحضارة الإنسانية: كالزراعة والوقود الأحفوري والطاقة النووية، وقد جلبت كلٌّ منها منافع هائلة ومخاطر جسيمة في الوقت نفسه. غير أن الذكاء الاصطناعي العام يمثّل شيئًا مختلفًا جذريًا عن كل ما سبق.
فالذكاء، بما يتضمنه من قدرتنا على حلّ المشكلات والإبداع والتكيّف، هو ما يميّز البشر عن غيرهم.
كل تقنية سابقة كانت مجرد أداةً في يد الذكاء البشري. أما الذكاء الاصطناعي العام، فهو أول تقنية قد تضاهي العقل الذي يستخدمها أو تتفوّق عليه.
وتعتقد شركات الذكاء الاصطناعي الرائدة أنها باتت قريبة جدًا من تحقيق هذا الهدف، فشركات مثل Anthropic وOpenAI وDeepMind تعمل جميعها على بناء أنظمة قادرة على أداء معظم المهام المعرفية بمستوى البشر أو بما يفوقه، وتشير التقديرات الزمنية لهذه الشركات وتقديرات خبراء مستقلّين إلى أن هذا التحول يتحقّق خلال السنوات القليلة المقبلة.
وسواء أصابت هذه التوقعات في توقيتها أم لا، فإن الاتجاه العام واضح لا لبس فيه، فالقرارات التي تُتّخذ الآن بشأن طريقة بناء هذه الأنظمة وحوكمتها ونشرها ستحدّد طبيعة المستقبل الذي ينتظر البشرية.
قد يكون الذكاء الاصطناعي العام أقوى أداة صنعتها البشرية على الإطلاق، فالمكاسب المحتملة منه استثنائية، غير أن الاستفادة منها تتطلب تحديد أسبابها بدقة.
إحداث تحوّل جذري في الاكتشاف العلمي
يرى كثيرون أن العائق الأكبر أمام التقدم العلمي يكمن في محدودية طاقة الانتباه البشري، فحتى ألمع الباحثين لا يستطيعون استيعاب إلا عدد محدود من الأبحاث، وإجراء عدد محدود من التجارب، وتوليد عدد محدود من الأفكار في آن واحد. وكثيرًا ما جاءت أكبر الاختراقات، مثل تقنية CRISPR ولقاحات الحمض النووي الريبي المرسال (mRNA) والبنسلين، من الربط بين مجالات مختلفة، وهو أمرٌ يزداد صعوبةً اليوم في ظل استجداء المتابعة المستمرة حتى داخل التخصّص الواحد.
وقد بدأ الذكاء الاصطناعي بالفعل في تغيير هذا الواقع، فقد حلّ نظام AlphaFold مشكلة طيّ البروتينات (protein folding)، وهو تحدٍّ حيّر علماء الأحياء لخمسين عامًا. كما نجحت أنظمة ذكاء اصطناعي أخرى في اكتشاف مضادات حيوية جديدة فعّالة ضد البكتيريا المقاوِمة للأدوية، بينما أصبحت أدوات التشخيص التي طوّرتها Google تضاهي الأطباء المختصّين أو تتفوّق عليهم في الكشف عن بعض أنواع السرطان.
وقد يمضي الذكاء الاصطناعي العام بهذا إلى أبعادٍ أعمق، فلا يكتفي بتحليل البيانات بل يصمّم التجارب ويولّد الفرضيات ويربط الأفكار عبر كل مجالات العلم في آن واحد.
ويصف بعض الباحثين ذلك بمصطلح "اختزال القرن الحادي والعشرين"؛ حيث تُختصر عقودٌ من التقدّم في سنوات معدودة، بفضل منظومة ذكاء اصطناعي تعمل داخل مركز للبيانات كما لو كانت "بلدًا من العباقرة".
ولا يعني ذلك أن قوانين الفيزياء ستتغير، فالتجارب ستظلّ تستغرق وقتًا، ولابد من إجراء التجارب السريرية (clinical trials)، كما سيظل تطبيق النتائج في العالم الواقعي يستغرق وقتًا. لكن العامل المحدد لوتيرة التقدم سينتقل من سؤال "هل نستطيع فهم هذا المتغير؟" إلى سؤال "هل نستطيع بناءه واختباره بالسرعة الكافية؟"، وهذه مشكلة من نوع مختلف تمامًا، أقرب إلى الهندسة منها إلى العلم.
النموّ الاقتصادي
تنبع الانعكاسات الاقتصادية للذكاء الاصطناعي العام من تسريع العمليات العلمية والتوسع في الأتمتة الشاملة، فعند تسريع مجالات البحث والتطوير بمعدلاتٍ قياسية، يسهل اكتشاف مواد جديدة ومصادر طاقة مبتكرة وأساليب تصنيع غير مسبوقة، مما يؤدي إلى تراكم مكاسب الإنتاجية واكتسابها زَخَمًا متضاعفًا.
وللتوضيح: إذا حافظت الاقتصادات المتقدّمة على معدّل النموّ السنوي البالغ نحو 2%، فسيتضاعف مستوى المعيشة كل 35 سنة. لكن بعض الاقتصاديين يرون أن الذكاء الاصطناعي العام قد يرفع معدلات النموّ إلى أكثر من 10% أو 20% سنويًا، وهو ما قد يؤدي إلى مضاعفة مستوى المعيشة كل 5 سنوات.
وفي عالم كهذا، قد تصبح السلع والخدمات النادرة اليوم متاحةً على نطاق واسع، على غرار ما حدث للهواتف الذكية التي تحوّلت من سلع كمالية إلى أجهزة يستخدمها المليارات في أقلّ من عقدين.
وحتى أكثر التقديرات تحفّظًا لافتة للنظر، فالذكاء الاصطناعي يحقّق بالفعل مكاسب إنتاجية قابلة للقياس في مختلف القطاعات، رُغم أن الأنظمة الحالية لا تزال أقلّ قدرة بكثير ممّا نتصوّره حين نتحدّث عن الذكاء الاصطناعي العام.
لكن ثمّة شرط جوهري
لا شيء من هذه المكاسب يحدث تلقائيًا، فكل تقنية في هذه القائمة، بدءًا من الزراعة وحتى الطاقة النووية، حققت منافع هائلة وتسببت في أضرار جسيمة تبعًا للجهة التي تتحكم فيها وكيفية استخدامها، والذكاء الاصطناعي العام لا يختلف عن ذلك إطلاقًا إلا أن حجم المخاطر أكبر ووتيرة التطور أسرع، وستعتمد النتائج في نهاية المطاف على قدرتنا على إدارة هذا التحول وتوجيهه.
مثلما يمكن للذكاء الاصطناعي أن يعزّز قدرتنا على فعل الخير، يمكنه أيضًا أن يضاعف فرص إلحاق الضرر، فالقدرات نفسها التي تدفع عجلة التقدّم العلمي والنموّ الاقتصادي تخلق كذلك مخاطر غير مسبوقة إذا وقعت في الأيدي الخطأ.
سنتناول هنا ثلاثة من أكبر مصادر الضرر المحتمل:
الإرهاب
جهات خبيثة تسخر الذكاء الاصطناعي لشنّ هجمات سيبرانية أو صنع أسلحة كيميائية.
ترسيخ السلطوية
دول تفقد الحافز للاعتناء بشعوبها وتنزلق نحو أنظمة هيمنة وديكتاتورية معززة تقنيًا.
فقدان السيطرة
فقدان زمام المبادرة لصالح أنظمة ذكاء اصطناعي تتّخذ قرارات وأفعالًا تتعارض مع المصالح البشرية.
حين تتاح قدرات الذكاء الاصطناعي القوية لمليارات الناس، يكفي أن يسيء استخدامها 0.0001% فقط منهم ليصبح لدينا آلاف من العابثين والجهات الخبيثة (malicious actors) المزودين بقوة غير مسبوقة.
وقد تتمكّن هذه الجهات من استخدام قدرات الذكاء الاصطناعي في:
شنّ هجمات سيبرانية (cyberattacks) واسعة النطاق
تصميم أسلحة كيميائية جديدة
تنسيق هجمات إرهابية متطوّرة
وتساعد نماذج الذكاء الاصطناعي الحالية بالفعل إرهابيين ودولًا معادية على تمويل عملياتها، فقد أتاح التزييف العميق (deepfake) تنفيذ عمليات احتيال يستخدم فيها المجرمون مقاطع فيديو لشخص ما منشورة على وسائل التواصل الاجتماعي لاستنساخ صوته، ثم الاتصال بأقاربه أو زملائه مدّعين وجود حالة طارئة للحصول على المال.
وبالنظر إلى ملابسات الهجوم، يبدو من المستبعد أن يكون الذكاء الاصطناعي قد قدّم مساعدة تتجاوز ما كان سيوفره محرك بحث عادي. غير أن الواقعة تُثبت أن الناس يلجؤون بالفعل إلى مساعدي الذكاء الاصطناعي للإعانة على إلحاق الضرر، وهو أمر مقلق للغاية إذا اقترن بإمكانية ظهور قدرات أشدّ خطرًا في المستقبل.
غير أن أنظمة الذكاء الاصطناعي الحالية لا تزال محدودة في كثير من المجالات المهمة، مثل تخطيط المشاريع من بدايتها إلى نهايتها أو الاستخدام الموثوق للحواسيب، ولذلك ظلّ كثير من الهجمات المذكورة أعلاه يتطلّب بشرًا ذوي مهارة عالية لتنفيذها. لكن أنظمة الذكاء الاصطناعي العام المستقبلية ستكون أكثر كفاءة، وإذا وصلت إليها الجهات الخبيثة، فمن المرجّح أن تؤدي إلى:
خفض عوائق الدخول: مما يتيح لطيف أوسع من الناس تنفيذ هجمات معقدة
رفع سقف القدرات التدميرية: فتصبح هذه الهجمات أشدّ خطورة
معادلة الردع بين الأخيار والأشرار: رهانات غير مضمونة
من الأسئلة التي تتردد كثيرًا حول موضوع إساءة استخدام الذكاء الاصطناعي العام: "لماذا لا نتيح الذكاء الاصطناعي العام للجميع؟ أفلن يوقف الأخيارُ الأشرارَ إذا امتلك الطرفان القدرات ذاتها؟"
هذا الطرح منطقي في بعض الجوانب، ففي مجال الأمن السيبراني (cybersecurity) مثلًا، تستخدم الشركات أنظمة ذكاء اصطناعي قوية لسد الثغرات قبل أن يستغلّها المهاجمون السيبرانيون.
لكن في مجالات أخرى، يكون الدفاع أصعب بكثير من الهجوم، فالأمر شبيه بالأسلحة النووية: فلو امتلك كل شخص سلاحًا نوويًا، لن يتحقق الأمان حتى لو كان معظم الناس من الأخيار. كما أن البشر معرَّضون للخطر بطرق يصعب الدفاع ضدّها؛ بعكس الأنظمة البرمجية التي يمكن ترقيع ثغراتها، فمن الصعب أن تجعل البشر جميعًا محصّنين ضدّ الأسلحة الكيميائية أو البيولوجية.
وتفرض هذه الدينامية مفاضلة حاسمة بين الأمن وإتاحة الوصول، ومن المقاربات المطروحة: التركيز على مشاركة ما يُنتجه الذكاء الاصطناعي العام بدلاً من مشاركة النماذج نفسها؛ كأن تُتاح العلاجات الطبية التي يكتشفها الذكاء الاصطناعي للجميع، مع فرض رقابة صارمة على النموذج الذكي الذي أنتجها.
قد يمنح الذكاء الاصطناعي العام الدولَ قوة عسكرية واستخباراتية وسياسية هائلة، فكما تأمل بعض الدول في تسخير الذكاء الاصطناعي لمكافحة الإرهابيين وفرض القانون والنظام، يمكن الاستفادة منه أيضًا في سحق المعارضين السياسيين وفرض أنظمة قمعية.
ويمكن للحكومات السلطوية (authoritarian) أن تستخدم الذكاء الاصطناعي للسيطرة على شعوبها دون الحاجة إلى تجنيد ملايين المواطنين للقيام بهذه المهمة. وإذا كانت الأنظمة الاستبدادية السابقة تسقط في لحظات ضعفها التقليدية، كوفاة الديكتاتور، فإن أنظمة الذكاء الاصطناعي يصعب إنهاؤها أو تفكيكها، مما قد يسد الطريق أمام فرص الإصلاح.
وفي التجارب التاريخية ، كانت الحكومات تضطر إلى توفير حدٍّ أدنى من العناية بمواطنيها ضمانًا للاستقرار وتأمين القدرة الاقتصادية والعسكرية للدولة. لكن إذا جعل الذكاء الاصطناعي العام العنصر البشري غير ضروري في هذه الأدوار، فقد لا يبقى لدى الدول أيّ حافز للاعتناء برفاه شعوبها.
وهناك نماذج تحاكي هذا المشهد حين لا يغدو السكان شرطًا أساسيًا لتحقيق النجاح الاقتصادي: كالدول المعتمدة على النفط التي كثيرًا ما تقع فريسة "للعنة الموارد" (resource curse)، حيث تتسع الفجوات الطبقية، وتتراجع مؤشرات الديمقراطية والتنمية الشاملة.
ولا يقتصر هذا الخطر على الدول ذات التاريخ الممتد مع القمع فحسب، فالذكاء الاصطناعي العام قد يُحدث تحوّلات سريعة في موازين القوة إلى حدّ قد يُفضي إلى نشوء أنظمة سلطوية حتى في دولٍ كانت تُصنَّف تاريخيًا على أنها "مستقرّة".
كثيرًا ما يخلص الباحثون في العلاقات الدولية إلى أن "التحوّلات الكبيرة والسريعة في موازين القوة تقود غالبًا إلى الحروب"، فحين تواجه الدول اختلالًا في موازين القوة، تجد نفسها مضطرّة إلى الاختيار بين (1) إعلان الحرب ما دام الخصم ضعيفًا نسبيًا، أو (2) الرضوخ لاحقًا للهيمنة بعد تفوق الخصم واستقوائه.
وقدرة الذكاء الاصطناعي العام على تسريع التطوّر الاقتصادي والتكنولوجي قد تؤدّي إلى أحد هذه التحوّلات. ومن جهة أخرى، قد يؤجّج الذكاء الاصطناعي النزاعات، فقد يثق صانعو القرار في توصيات معيبة بشأن التصعيد، وقد تتسبّب الأسلحة الفتّاكة ذاتية التشغيل (LAWS) عن غير قصد في إشعال نزاعات عنيفة أو توسيعها، كما أن سرعة القرارات التي يتّخذها الذكاء الاصطناعي قد تشجّع على التصعيد وتقلّص الوقت المتاح لخفضه.
لا يقتصر التحدي على منع إساءة استخدام الأفراد أو الحكومات للتقنية، بل يمتد إلى ضمان بقاء السيطرة البشرية على الذكاء الاصطناعي العام لا العكس، فمثلما يمكن لدولةٍ أن تستخدم الذكاء الاصطناعي العام للهيمنة على الشعوب، يمكن للذكاء الاصطناعي العام أن يهيمن على البشرية برمتها لو اتجه نحو ذلك.
وكثيرًا ما يجد الباحثون أن أنظمة الذكاء الاصطناعي لا تفعل ما أردناه منها.
على سبيل المثال، درّبت شركة OpenAI يدًا روبوتية في بيئة محاكاة على الإمساك بكرة، على أن يقيّم البشر مدى نجاحها عبر بثّ تلفزيوني. وبدلًا من الإمساك بالكرة فعلاً، تعلّم النظام أن يضع يده بين الكاميرا والكرة ليوهم المراقبين بأنه قد أمسك بها فعلاً!
ومع انتشار أنظمة أكثر قدرة وكفاءة في كل مكان، يقل دافع البشر للتحقق من النتائج أو يعجزون عن فهمها (هل فهمتَ حقًا الشيفرة التي أنتجها نموذج الذكاء الاصطناعي في الوحدة 1؟). وإذا اقترن ذلك بتزايد قدرة الذكاء الاصطناعي على خداع الناس أو إقناعهم، فسيُصعب اكتشاف اللحظة التي تنحرف فيها هذه الأنظمة عن السلوك المطلوب.
وتتفاقم هذه المشكلة حين تتصرّف أنظمة الذكاء الاصطناعي بوصفها وكلاء لا أدوات، فالوكلاء يسعون إلى تحقيق أهداف عامة باستقلالية أكبر ويتّخذون إجراءاتٍ ذات أثرٍ واقعي في العالم: فأنت تحدد لهم بما يجب تحقيقه، لا كيفية التنفيذ خطوة بخطوة.
علاوة على ذلك، تنشأ لدى أنظمة الذكاء الاصطناعي دوافع تلقائية للسعي نحو امتلاك الموارد والسلطة بصرف النظر عن هدفها الأساسي، والسبب ببساطة أنه إذا أردت إنجاز أي مهمة، فإن امتلاك المزيد من المال والنفوذ وضمان ألا يعترض طريقك أحد هي أمور تساعدك في تحقيق غايتك في كل الأحوال تقريبًا.
دراسة حالة: سعي الذكاء الاصطناعي الحديث إلى السلطة
أعدّت دراسة حديثة بيئةً محاكاة كُلّفت فيها أنظمة ذكاء اصطناعي بمساعدة شركة ما على التوجّه نحو الطاقة النظيفة، ثم أتاح الباحثون للذكاء الاصطناعي الاطّلاع على رسائل بريد إلكتروني تتضمّن إشارة إلى أن المشغلين البشريين يستعدون لاستبداله بنموذج جديد يتوجّه نحو الوقود الأحفوري.
وفي هذا الموقف، أقدمت أنظمة الذكاء الاصطناعي على:
محاولة تعطيل آليات الرقابة (oversight mechanisms)
نسخ شفرتها الذاتية إلى أنظمة أخرى
الكذب على المشغّلين البشريين
قد يبدو هذا السلوك من قبيل الخيال العلمي، لكنه مصدر قلق علمي حقيقي تعترف به حتى شركات الذكاء الاصطناعي نفسها:
"قد تتعلّم نماذجنا سلوكيات غير متوائمة (misaligned) مثل السعي إلى السلطة، والتظاهر بضعف القدرات (sandbagging)، والخداع، والتآمر الاستراتيجي. […] وسيكون من الصعب عمليًا تحديد اللحظة التي تبدأ فيها النماذج بإخفاء نواياها، ولذلك، حتى في حال تطبيق [أحدث تقنيات السلامة]، فإننا نوصي بالمضيّ بأقصى درجات الحذر".
"إن جرس الإنذار الذي أقرعه يتعلّق بالتهديد الوجودي المتمثّل في استيلاء هذه الأنظمة على زمام السيطرة، وأنا كنت أظنّ أن هذا الخطر بعيد جدًا، لكنني أراه الآن خطرًا جدّيًا وقريبًا إلى حدّ ما.
أعتقد أن [الذكاء الاصطناعي العام] سيدرك بسرعة كبيرة أن الاستحواذ على مزيد من السيطرة يُعد هدفًا فرعيًا ممتازًا لأن ذلك يعينه على تحقيق أهدافه الأخرى. وإذا اندفعت هذه الأنظمة وراء السعي للسلطة، فسنكون في ورطة حقيقية.
وإذا كانت [نماذج الذكاء الاصطناعي] أذكى منّا بكثير، فستكون بارعة جدًا في التلاعب بنا دون أن ندرك ما يجري، فحتى لو لم تستطع تحريك أدوات التحكم المادية بنفسها، فبإمكانها بالتأكيد أن تدفعنا نحن لتحريكها نيابة عنها. وقد تبيّن أنك إذا ملكت القدرة على التلاعب بالناس، أمكنك اقتحام مبنى في واشنطن دون أن تطأه بقدمك".
— جيفري هينتون (Geoffrey Hinton)، أحد "عرّابي الذكاء الاصطناعي"، عند استقالته من Google
قد يدفع الذكاء الاصطناعي العام عجلة التقدّم بسرعة هائلة في جميع المجالات تقريبًا، فينتشل الملايين من الفقر، ويقضي على المستعصي من الأمراض، ويوفّر مصادر طاقة متجدّدة وفيرة، وغير ذلك الكثير.
غير أننا لن نتمكن من جني أي من هذه الثمار إذا أفضى بنا المطاف إلى عالمٍ مدمَّر؛ إذ يهدّد الذكاء الاصطناعي العام بإيصالنا إلى هذه النتيجة من خلال تمكين:
الإرهاب: من خلال إتاحة الفرصة لجهات خبيثة لاستغلال الذكاء الاصطناعي في شنّ هجمات سيبرانية أو صنع أسلحة كيميائية.
السلطوية: عبر نشوء دول تفقد الحافز للاعتناء بشعوبها وتنزلق نحو الديكتاتورية.
فقدان السيطرة: عبر فقدان البشر لزمام المبادرة لصالح أنظمة ذكاء اصطناعي تتّخذ قرارات وأفعالاً تضرّ بالمصالح البشرية.
وفي الوحدة التالية، سنستعرض سُبل التصدّي لهذه المخاطر كي نتمكّن من جني المنافع.
لقد أتممت ثلاث وحدات تتناول ما يستطيع الذكاء الاصطناعي فعله، والوجهة التي يسير إليها، وأبعاد التحوّل ومخاطره؛ ولعلّ السؤال الذي يفرض نفسه عليك الآن هو: "ماذا بعد؟"
تبدأ الإجابة الصادقة برقم مفاجئ، فنحن نقدّر أن بضعة آلاف فقط من الأشخاص حول العالم يعملون بدوام كامل على سلامة الذكاء الاصطناعي الرائد. وإذا قارنت هذا الرقم بالملايين الذين يكرسون جهودهم لتحديات عالمية كبرى كتغيّر المناخ، ستدرك كم هو رقم ضئيل ومقلق أمام خطورة التحدي.
لكن هذا النقص في الكوادر يمثل في الوقت نفسه فرصة استثنائية لك، فللمشكلة جوانب كثيرة: تقنية وسياسية وعلمية وتنظيمية، والمجال لا يزال صغيرًا بما يكفي لتصبح خبيرًا عالميًا في زاوية محدّدة منه في غضون أشهر. أنت لست بحاجة إلى دكتوراه في علوم الحاسوب، بل كل ما تحتاجه هو أن تبدأ خطواتك الأولى فقط.
ونحن في BlueDot Impact نؤمن إيمانًا راسخًا بأن القرارات التي يتّخذها البشر هي التي ستحدّد مسار هذه التقنية، ونريد أن ندعمك ونمكّنك لتوجيه هذا المسار نحو الأفضل.
لقد ساعدنا آلاف الأشخاص على فهم اتجاهات الذكاء الاصطناعي وما يمكنهم فعله حيالها، ويعمل المئات منهم الآن بشكل مباشر على حل هذه المشكلات: ضمن فرق السلامة داخل شركات الذكاء الاصطناعي، وفي مراكز الأبحاث، وفي المؤسسات الحكومية، وفي منظمات جديدة أسّسوها بأنفسهم. ونحن ننظّم دورات وفعاليات في جميع أنحاء العالم، ونقدّم منحًا مالية لتمكين الناس من إطلاق مشاريعهم الخاصة.
وما تبقّى من هذه الوحدة سيرشدك إلى كيفية العثور على المسار الذي يناسبك.
تتناول دوراتنا الرئيسية الأفكار التي عُرضت في الوحدات السابقة وتتعمّق فيها بدرجة أكبر بكثير:
دورة استراتيجية الذكاء الاصطناعي العام (AGI Strategy): وهي تتناول المحرّكات التقنية والاقتصادية لتقدّم الذكاء الاصطناعي، ونمذجة مسارات التهديد، والسُّبل العملية للتصدي لها (وننصحك بالبدء بها إن كنت حديث العهد بمجال سلامة الذكاء الاصطناعي).
الشكل من الدورة الأصلية، ونصوصه بالإنجليزية. انقر لفتحه بحجمه الكامل.
طبيعة الدراسة والالتزام
تتميز هذه الدورات بكونها أكثر كثافة وعمقًا مقارنة بهذه المادة التمهيدية.
الحجم والمدة: تتطلب نحو 25 إلى 30 ساعة من القراءة والتحضير والنقاش.
آلية الحوار: تُجرى النقاشات ضمن مجموعات صغيرة تضم من 5 إلى 8 مشاركين ملتزمين، تحت إشراف وتيسير مُدرب متخصص يعمل مباشرة في هذا المجال.
المنهج: التدرّج عبر منهج منظَّم من الموارد والمقالات المختارة بعناية.
الشكل من الدورة الأصلية، ونصوصه بالإنجليزية. انقر لفتحه بحجمه الكامل.
نحن نعتمد الانتقائية في اختيار المشاركين في كل فوج لضمان جودة النقاش وفعاليته، ونقبل متقدّمين من خلفيات متنوّعة جدًا، وتتحدد قوة طلب الالتحاق بناءً على الخبرة التي تحملها، والمجال الذي تطمح لتسخير خبرتك فيه لخدمة سلامة الذكاء الاصطناعي، وكيفية مساهمة الدورة في بلوغ هدفك (ولا يلزم أن تكون خطتك المستقبلية مكتملة أو مثالية، فالدورة صُممت لمساعدتك على صقلها، ولكن يُشترط أن تكون قد فكّرت فيها بجدية).
لا يتوقف دورنا بانتهاء الدورة، بل نقدم للمشاركين المتميّزين منحًا لتمويل المشاريع والكوادر الواعدة، إلى جانب تنظيم برامج حضورية تمكّنهم من تحقيق تطلعاتهم وإنجاز أعمال أكثر طموحًا.
مسارات بديلة للانخراط والتعلم
ثمّة طرق مرنة أخرى للانخراط في هذا المجال وتقوية ملفك للدورات المقبلة:
الدراسة الذاتية: جميع مناهجنا متاحة للعموم على صفحات الدورات، وتُعد القراءة الذاتية لهذه المواد وتدوين ملاحظاتك حولها من أفضل الطرق لتعزيز فرص قبولك في الفوج القادم.
الانضمام لمجتمع محلّي: تتوفر المئات من المجتمعات المعنية بسلامة الذكاء الاصطناعي حول العالم (الخريطة هنا) التي يمكنك التواصل معاهم للقاء أشخاص يشاركونك الشغف والعمل على هذه القضايا.